المنجي بوسنينة

317

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الدين الصفدي ينزّهه عن ذلك ، ويرى نسبة ابن حيان ذلك إليه لتتلقّى النفوس هذا العلم بالقبول [ فوات الوفيات ، 1 / 275 ] ، بينما لا يرى الإمام محمّد أبو زهرة ما يوجب ردّ نسبة هذه الرسائل إليه ، طالما لا يوجد دليل قطعي لردّها [ الإمام الصادق ، ص 32 ] . هذه المعطيات التي قدّمناها عن الإمام الصادق تمثّل الجانب المتفق عليه بين أهل السنّة والشيعة ، في التعريف به . ويختلف الفريقان ، فيما يتصل بعلمه ، في أمرين : في نسبة علم الجفر إليه ، وفي مصدر علومه . وعلم الجفر عبارة عن كتاب يتضمّن العلم بما كان ، وبما يكون ، سواء أكان بالحروف والرموز ، أم كان بالأخبار والروايات . ويدّعي الشيعة الإمامية أنّ النبي دفعه إلى علي رضي اللّه عنه ، وأنّ عليا دفعه إلى ابنه الحسن ، الذي دفعه بدوره إلى أخيه الحسين ، وظلّ ينتقل بالوصاية من إمام إلى إمام ، بحسب ترتيبهم على مذهب الإمامية ، إلى أن انتهى إلى جعفر الصادق . وهذا ما ينفيه أهل السنّة بشدّة ، وينزّهون الإمام الصادق عن ادّعائه لنفسه أو لأحد من آبائه ، لأنّه من علم الغيب الذي ينفرد اللّه تعالى بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، إلّا من ارتضى من رسله . وقد تواترت آيات القرآن الكريم على التأكيد على ذلك . على أنّ الأستاذ أحمد جواد مغنية ، وهو من أبرز علماء المذهب الجعفري في العصر الحديث ، يذكر ما يفيد أنّه متوقّف في هذه المسألة ، وينسب لعلمائهم السابقين عدم وقوفهم فيها على حقيقة يطمئنّون إليها [ « جعفر الصادق » ص 208 ، نقلا عن « الإمام الصادق » لأبي زهرة ، ص 36 ] . وأمّا مصدر علومه ، فإنّ الشيعة يقولون إنّ علمه إلهاميّ غير كسبي ، وهو ما يخالفهم فيه أيضا أهل السنّة ، لأنّه لا عصمة لأحد بعد النبي ، وإنّ الإمام الصادق حاز مرتبة العلماء المبرّزين ، وحصّل معارفه ، بجدّه واجتهاده وتفرّغه للعلم وسعيه فيه ، فعلمه بذلك كسبي لا إلهامي . فهو في نظرهم أحد أئمّة الاجتهاد الموفّقين الذين راضوا أنفسهم على الإخلاص في طلب العلم ، فبلغوا أعلى درجاته . وإنّ النظر إليه بهذه الصفة لا ينقص من قدره العلمي ولا من شرف نسبه ولا يبخسه حقّه في التوفيق الذي كان يصاحبه في قوله وعمله . وفي مجال السياسة ، فالمتفق عليه أنّه لم يكن له نشاط سياسي ، ولا كان له شغل بالسياسة ، وكان سائرا في ذلك على نهج أبيه الباقر وجدّه زين العابدين . ولعلّ الفجيعة التي حصلت للأمّة بمقتل الحسين عليه السلام ، والتنكيل بآل بيت النبي في موقعة كربلاء ، في عهد بني أميّة ، كان لها أكبر الأثر في صرف اهتمامهم عن المجال السياسي والتفكير في الخلافة . وجعفر الصادق ، مع ما ورث من أسى وحسرة على ما حدث ، فقد كان شاهدا أيضا لما وقع لعمّه الإمام زيد الذي خرج ناقما على الحكم الأموي في عهد هشام بن عبد الملك ، وما انتهى أمره إليه ، بأن قتل قتلة فاجرة ونبش قبره وصلب جثمانه الطاهر ، كما كان شاهدا لما حدث لثورة أبناء عمومته ، محمّد النفس الزكية وأخيه إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن ، وما آل إليه خروجهما من فجيعة تشبه فجيعة الإمام زيد ، ثم رأى كيف تتابع القتل في أبناء عمّه زيد ، وكيف سلّط الاضطهاد على كبير أهل البيت عبد اللّه بن